الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

341

مختصر الامثل

لابد أن تتميز الصفوف : تنوه الآيتان الحاضرتان بحقيقة هامة هي أنّ أيّة مصيبة ( كتلك التي وقعت في أحد ) مضافاً إلى أنّها لم تكن دون سبب وعلة ، فإنّها خير وسيلة لتمييز صفوف المجاهدين الحقيقيين عن المنافقين أو ضعفاء الإيمان ، ولذلك جاء في القسم الأوّل من الآية الأولى : « وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذنِ اللَّهِ » . أي : أنّ ما أصابكم يوم تقاتل المسلمون والمشركون فهو بإذن اللَّه ومشيئته وإرادته لأنّ لكل ظاهرة في عالم الكون المخلوق للَّه سبحانه سبباً خاصاً وعلة معينة . ثم يقول سبحانه في المقطع التالي من الآية : « وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا » . ثم إنّ القرآن الكريم يستعرض حواراً قد وقع بين بعض المسلمين ، والمنافقين قبل المعركة بالشكل التالي : « وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا » . فإنّ بعض المسلمين ( وهو عبد اللَّه بن عمر بن حزام على ما نقل عن ابن عباس ) عندما رأى إنسحاب عبد اللَّه بن أبي سلول وانفصالهم عن الجيش الإسلامي ، وإعتزامهم العودة إلى المدينة قال : تعالوا قاتلوا في سبيل اللَّه أو ادفعوا عن حريمكم وأنفسكم إن لم تقاتلوا في سبيل اللَّه . ولكنهم تعللوا ، واعتذروا بأعذار واهية إذ قالوا : « لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ » . أي إنّنا نظن أنّ الأمر ينتهي بلا قتال فلا حاجة لوجودنا معكم . فإنّ هذه كانت مجرد إعتذارات وتعللات ، لأنّ الحرب كانت حتمية الوقوع ، ولأنّ المسلمين إنتصروا في بداية المعركة ، وأمّا ما لحق بهم من الهزيمة والانكسار فلم يكن إلّا بسبب أخطاء ومخالفات إرتكبوها هم أنفسهم بحيث لولاها لما وقعت بهم هزيمة ، ولذا يقول اللَّه سبحانه : « هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ » . أي إنّهم يكذبون . ثم علل سبحانه ما ذكره عنهم بقوله : « يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ » . أي إنّهم يظهرون خلاف ما يضمرون ، ويبدون من القول خلاف ما يكتمون من الاعتقاد والنية ، فإنّهم لإصرارهم على اقتراحهم بالقتال داخل أسوار المدينة ، أو رهبة من ضربات العدو ، أو لعدم حبّهم للإسلام أحجموا عن الإسهام في تلك المعركة ، وامتنعوا عن المضي إلى أحد في صحبة المسلمين ، « وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ » . فإنّ اللَّه يعلم جيداً ما يخفونه ويضمرونه من النوايا . الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 168 )